فخر الدين الرازي
217
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أنه لا خالق غير اللّه تعالى ، قالوا : لأنه سبحانه جعل الخالقية صفة مميزة لذات اللّه تعالى عن سائر الذوات ، وكل صفة هذا شأنها فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها ، قالوا : وبهذا الطريق عرفنا أن خاصية الإلهية هي القدرة على الاختراع ومما يؤكد ذلك أن فرعون لما طلب حقيقة الإله ، فقال : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] قال موسى : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [ الشعراء : 26 ] والربوبية إشارة إلى الخالقية التي ذكرها هاهنا ، وكل ذلك يدل على قولنا . المسألة الثالثة : اتفق المتكلمون على أن أول الواجبات معرفة اللّه تعالى ، أو النظر في معرفة اللّه أو القصد إلى ذلك النظر على الاختلاف المشهور فيما بينهم ، ثم إن الحكيم سبحانه لما أراد أن يبعثه رسولا إلى المشركين ، لو قال له : اقرأ باسم ربك الذي لا شريك له ، لأبوا أن يقبلوا ذلك منه ، لكنه تعالى قدم ذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به كما يحكى أن زفر لما بعثه أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه ، فلما ذكر أبو حنيفة زيفوه ولم يلتفتوا إليه ، فرجع إلى أبي حنيفة وأخبره بذلك ، فقال إنك لم تعرف طريق التبليغ ، لكن ارجع إليهم ، واذكر في المسألة أقاويل أئمتهم ثم بين ضعفها ، ثم قل بعد ذلك : هاهنا قول آخر ، واذكر قولي وحجتي ، فإذا تمكن ذلك في قلبهم ، فقل : هذا قول أبي حنيفة لأنهم حينئذ يستحيون فلا يردون ، فكذا هاهنا أن الحق سبحانه يقول : إن هؤلاء عباد الأوثان ، فلو أثنيت علي وأعرضت عن الأوثان لأبوا ذلك ، لكن اذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره ، ثم قل : ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه ، فبهذا التدريج يقرون بأني أنا المستحق للثناء دون الأوثان ، كما قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] ثم لما صارت الإلهية موقوفة على الخالقية وحصل القطع بأن من لم يخلق لم يكن إلها ، فلهذا قال تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] ودلت الآية على أن القول بالطبع باطل ، لأن المؤثر فيه إن كان حادثا افتقر إلى مؤثر آخر ، وإن كان قديما فإما أن يكون موجبا / أو قادرا ، فإن كان موجبا لزم أن يقارنه الأثر فلم يبق إلا أنه مختار وهو عالم لأن التغير حصل على الترتيب الموافق للمصلحة . المسألة الرابعة : إنما قال : مِنْ عَلَقٍ على الجمع لأن الإنسان في معنى الجمع ، كقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 2 ] . أما قوله تعالى : [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 3 إلى 4 ] اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : اقرأ أولا لنفسك ، والثاني للتبليغ أو الأول للتعلم من جبريل والثاني للتعليم أو اقرأ في صلاتك ، والثاني خارج صلاتك . المسألة الثانية : الكرم إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فمن يهب السكين ممن يقتل به نفسه فهو ليس بكريم ، ومن أعطى ثم طلب عوضا فهو ليس بكريم ، وليس يجب أن يكون العوض عينا بل المدح والثواب والتخلص